
عبد الصادق الكرناوي …
بمنطق “واش انت معانا ولا معاهم”، تحدثت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة المجلس الجماعي لمدينة مراكش، عن الإعلام والإعلاميين، متهمة بعض الصحفيين بترويج مزاعم ضد المسؤولين من دون أدلة، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من تأجيج غضب هؤلاء الشباب الذين خرجوا إلى الشارع.
المنصوري، التي كانت تتحدث بمناسبة انعقاد دورة أكتوبر لمجلس مراكش، الثلاثاء، شكرت هؤلاء الإعلاميين الذين قالت إنهم يواكبون دوما أنشطة المجلس، في الوقت الذي اتهمت فيه آخرين بالتحريض.
رفض المنصوري للنقد من دون أدلة أمر مفهوم، ولكن يجب التمييز بأن النقد، المبني على الأدلة في الإعلام ليس ترفًا ولا خصومة شخصية، بل هو أحد أعمدة الممارسة الديمقراطية وشرط من شروط الشفافية.
فحين يطرح الصحفي سؤالًا مزعجًا أو يسلط الضوء على خلل في التسيير، فإنه لا يستهدف الأشخاص بل يسائل المسؤولية العامة. الإعلام، في جوهره، لا يمكن أن يكون صدى للسلطة أو ملحقًا بخطابها، لأن دوره أن يُنبه، يُصحح، ويضع المواطن في قلب المعلومة. لذلك، فإن تضييق مساحة النقد أو تأطيره بمنطق الولاء والعداء، لا يسيء إلى الصحفيين بقدر ما يُضعف الثقة في المؤسسات ويعمق الهوة بين المواطن وممثليه.
طوال ولاية المنصوري على رأس مجلس مراكش، والتي كانت منشغلة عنه بمهام أخرى، لم نسمع انتقادات لعمل المجلس إلا لماما، سواء من قبل الإعلام المحلي أو أعضاء المعارضة الحاضرة الغائبة، وكانت النقاشات داخل المجلس عبارة عن “العام زين” والتصويت بالإجماع.
ويبدو أن تلك الأصوات المنتقدة رغم قلتها، كانت تزعج، ففي الوقت الذي كان على المنصوري أن تركز على مطالب الشباب، كررت تلك الأسطوانة التي تقول “حنا خدامين على هادشي”، مشيرة في كلمتها إلى أن المجلس سبق أن برمج مشاريع تتعلق بالصحة في دورات سابقة، دون أن تذكر مآل هذه البرمجة وما الذي أنجز، وبالطبع نحن كصحفيين لم نطرح حوله أي سؤال.
وبمنطق “عنداك بوعو”، توقفت المنصوري عند الآثار الاقتصادية لأعمال العنف، والتي بالمناسبة لا ينكرها أحد خاصة أن المدينة تعيش في جزئها الأكبر، كما ذكرت هي نفسها، على الفرص التي يوفرها هذا القطاع، متناسية الأسباب الحقيقية التي خلقها تحالفها الحكومي، والتي أدت إلى هذا الاحتقان.
إن هذه الضبابة في العلاقة بين الإعلامي والمسؤول، نابعة بالأساس من حالة التخبط البنيوي، الذي يعيشه المشهد الإعلامي ببلادنا، بين منابر تحاول القيام بدورها متحدية ضعف الإمكانيات، وأخرى اختارت الاصطفاف إلى جانب المسؤولين طلبًا في القرب أو الامتياز.
وضع جعل الخبر الصحفي محصورا بين البلاغات الصحفية التي تصدر المؤسسات الرسمية بشكل مناسباتي، وبين فضائح مجتمعية، وأسرار بعض الوجوه المشهورة.
في غياب التكوين المستمر، وتراجع روح المبادرة الصحفية، إضافة إلى غياب الدعم الحقيقي للصحافة الجادة، كلها عوامل ساهمت في هشاشة المشهد الإعلامي المحلي، وأضعفت قدرته على أداء دوره في المراقبة والمساءلة، تاركة الساحة مفتوحة أمام التضليل والتأويل.
هناك سياسيون وأحزاب لم يستوعبوا بعد مدى الشرخ الذي أحدثوه بينهم وبين فئات عريضة من المجتمع وليس الشباب فقط، وفي غياب إعلام حر ومهني، ووعي مؤسساتي بأهمية تنوير الرأي العام، من الطبيعي جدا أن يكبر الشرخ، وما لم تفتح نوافذ النقد والمساءلة، سيظل الخلاف يتسع بين خطاب السلطة وصوت الشارع.








