رأي

غابة الويفي: كيف أعادت ميتا الإنسانَ الرقمي إلى سلوك القطيع والرمز الحيواني

بقلم محمد جواد سيفاو*

في البدء، كان الوعد عظيما. قيل لنا إن الإنترنت، وفي قلبه شبكات التواصل الاجتماعي، سيكون مختبراً للذكاء الجمعي وساحة عمومية تزدهر فيها الحجج العقلانية. لكن بعد عقدين من ذلك الوعد، يكشف التأمل اليومي في المحتوى المتداول على منصة مثل فيسبوك، المملوكة لشركة “ميتا” (Meta)، عن مشهد مختلف تماماً: نحن لا نعيش في “أغورا” رقمية، بل في ما يمكن تسميته “غابة إلكترونية فيها الويفي”. في هذه الغابة، لا يصطاد البشر الفرائس، بل “الإعجابات”؛ ولا يتقاتلون على الأرض، بل على “الترند”؛ وتتحول أدوات التعبير الأكثر تطوراً في التاريخ إلى مجرد امتدادات رقمية لغرائز بدائية.

اقتصاد الانفعال: عندما يصبح الغضب مربحاً

لفهم طبيعة هذه الغابة، لا بد من تجاوز الانطباعات إلى المعطيات الكمية. البيانات المتاحة ترسم صورة مقلقة: المحتوى الأكثر انتشاراً ليس التحليل العلمي ولا النقاش الفلسفي، بل الانفعال الخام. في مارس 2018، نشر باحثو مختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) دراسة حاسمة في مجلة Science، حللوا فيها 126,000 قصة إخبارية تم تداولها على تويتر بين عامي 2006 و2017. كانت النتيجة صادمة: الأخبار الكاذبة أكثر قابلية لإعادة التغريد بنسبة 70% مقارنة بالأخبار الحقيقية، وتصل إلى 1,500 شخص أسرع بست مرات. والأهم أن البشر، وليس الروبوتات، هم المسؤولون عن هذا الانتشار غير المتكافئ، لأن المحتوى الزائف يثير مشاعر بدائية كالخوف والاشمئزاز والمفاجأة.

فيسبوك نفسه تحول إلى مسرح ضخم لهذا الاقتصاد الانفعالي. في أكتوبر 2021، كشفت وثائق داخلية سربتها مديرة المنتج السابقة فرانسيس هوغن (Frances Haugen) ونشرتها واشنطن بوست، أن خوارزمية فيسبوك منحت تفاعلات الرموز التعبيرية (كـ”الغضب” و”الحب”) وزناً يفوق “الإعجاب” بخمس مرات، اعتباراً من عام 2017. وفي عام 2019، أكد علماء بيانات داخل الشركة أن المنشورات التي تحصل على رمز “الغضب” كانت غير متناسبة الاحتمال في استضافة المعلومات المضللة والمحتوى المنخفض الجودة.

تشرح شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff)، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة هارفارد ومؤلفة كتاب “عصر رأسمالية المراقبة” (2019)، هذه الديناميكية بقولها: “الشركات مثل فيسبوك تمتلك معلومات عن المواطنين أكثر مما تمتلكه حكوماتهم. وهي تستخدم هذه المعرفة الشاملة للتغذية الراجعة إلى نفس الواجهة التي جُمعت منها البيانات. لقد أصبحت البنية الرقمية نفسها المستخدمة للمراقبة وسيلة لتعديل السلوك، عبر محفزات مبرمجة وإشارات لا واعية ومكافآت وعقوبات – وكلها تهدف إلى ضبط ورعاية السلوك البشري في الاتجاه الذي يتماشى مع الأهداف التجارية”.

“السرب الرقمي” و”الحداثة السائلة”: تفكيك بنية الغابة

يقدم الفيلسوف الكوري-الألماني بيونغ-تشول هان (Byung-Chul Han) في كتابه “في السرب: آفاق رقمية” (2017) إطاراً نظرياً لفهم هذا التشظي. يرى هان أن التواصل الرقمي أفرز ما يسميه “السرب الرقمي” (Digital Swarm)، وهو كيان مجزأ مختلف عن “الجمهور” أو “الحشد” التقليدي. يكتب هان: “السرب الرقمي هو كيان متشظٍّ لا يستطيع تشكيل ‘نحن’، وغير قادر على مساءلة علاقات القوة السائدة أو صياغة مستقبل، بسبب هوسه بالحاضر”. وفي تحليله لظاهرة “العاصفة الرقمية” (Shitstorm)، يعتبرها هان “ظاهرة أصيلة للتواصل الرقمي”، حيث يحل رد الفعل اللحظي الاندفاعي محل التفكير المتأني.

أما عالم الاجتماع البولندي الراحل زيغمونت باومان (Zygmunt Bauman)، فكان قد نحت منذ تسعينيات القرن العشرين مفهوم “الحداثة السائلة” (Liquid Modernity) لوصف حالة التفكك المعاصر. يرى باومان أننا أصبحنا “كائنات بلا جذور”، وأن “جميع الاتفاقات مؤقتة وعابرة وصالحة فقط حتى إشعار آخر”. وفي مقابلة مع صحيفة “إل باييس” الإسبانية، وصف باومان وسائل التواصل الاجتماعي بأنها “فخ”: “الفرق بين المجتمع التقليدي وشبكات التواصل هو أنك في المجتمع تولد منتمياً، أما في الشبكات فأنت تختار من تحب وتحذف من لا يعجبك. وهذا يجعلها مساحة للراحة لا للحوار الحقيقي”.

القرد كمرآة: سوسيولوجيا الرمز الحيواني

ضمن هذه الغابة السائلة، لا شيء يعبر عن هذا الانحدار الرمزي أكثر من الانتشار المطلق لصور “القردة” في ثقافة “الميمات” والتعليقات. القرد لم يعد مجرد صورة طريفة، بل تحول إلى أيقونة سوسيولوجية كثيفة الدلالة تعبر عن روح العصر. إنه “الخبير العاطفي” و”المحلل السياسي” و”المناضل” الذي يعلق على انهيار الأمم بنظرة من تحت حاجب كثيف.

من منظور التحليل النفسي الاجتماعي، يمكن فهم هذه الظاهرة كآلية دفاع جمعية. يستخدمها الإنسان المعاصر للتعبير عن إدراكه الضمني بأنه، تحت طبقات التحضر والتكنولوجيا، لا يزال يحمل في داخله ذلك “الظل” الغريزي. القرد هنا يمثل الاعتراف غير الواعي بأن الإنسان، رغم كل مظاهر العقلانية، ما يزال كائناً عاطفياً وفوضوياً في جوهره.

سوسيولوجياً، يمكن ربط هذه الظاهرة بما أسماه إميل دوركايم “التمثلات الجمعية” (Collective Representations)؛ فالمجتمع الرقمي ينتج رموزه الخاصة التي تعبر عن وعيه الباطن. اختيار القرد تحديداً، وهو الحيوان الأقرب للإنسان في تعابير وجهه وسلوكه الاجتماعي، يكشف عن إدراك جمعي ضمني بالقرابة البيولوجية والسلوكية، ولكن بدلاً من توظيف هذا الإدراك في فهم علمي عميق، يتم تسطيحه وتحويله إلى أداة للسخرية والعدوان.

منطق التجريد من الإنسانية

هذه العودة إلى الرمز الحيواني ليست معزولة، بل هي عرض لظاهرة أعمق: إعادة إنتاج “القبيلة” في الفضاء الرقمي. الفرد المعاصر، الذي كان يُفترض أن يكون “مواطناً عالمياً”، أصبح يعيش داخل ما يسميه علماء الاجتماع “غرف الصدى الرقمية”. منطق الانتماء هو السائد، لا منطق الحجة.

تتجسد هذه الديناميكية بوضوح في استعمال الصور الحيوانية. فعندما يريد مستخدم مهاجمة خصمه، فإنه لا يلجأ إلى تحليل أطروحته، بل إلى تجريده من إنسانيته عبر إلصاق صورة حيوانية به. إنه أسلوب قديم في الحروب النفسية، ولكنه اليوم يتم بسرعة الصورة والصورة المضادة. في دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة Psychiatry, Psychology and Law، حلل باحثون بيانات تويتر ووجدوا أن لغة التجريد من الإنسانية والاشمئزاز ظهرت في 66% من التغريدات ذات الصلة بالهجرة.

 

داروين المقلوب: هل التطور التقني هو نهاية التطور الإنساني؟

هنا يبرز سؤال مركزي: أين تشارلز داروين من كل هذا؟ من الخطأ العلمي اعتبار “ميمات القردة” دليلاً مباشراً على نظرية التطور. النظرية الداروينية تفسر أصل الأنواع عبر آليات الانتقاء الطبيعي والطفرات الجينية المعقدة، وليس عبر أيقونات الإنترنت. لكن ما يكشفه هذا الاستخدام هو أن التطور الثقافي لا يسير بالضرورة في خط تصاعدي نحو العقلانية. لقد قفزنا قفزات هائلة في التطور التقني، ولكن تطورنا العاطفي والاجتماعي يبدو وكأنه يتعثر.

يبدو الأمر كما لو أننا حققنا نبوءة داروين ولكن بشكل معكوس: نحن لا نتطور من القرد، بل نعود إليه رمزياً كلما زادت تعقيدات عالمنا. الإنسان الذي كان يصرخ حول النار ليحذر القبيلة من خطر خارجي، يجلس اليوم خلف شاشة ليكتب تعليقاً غاضباً ينتشر عبر العالم في ثوانٍ.

مختبر “ميتا” الاجتماعي الكبير

في النهاية، لم تعد منصة مثل فيسبوك مجرد شركة تكنولوجية تقدم خدمة تواصل. إنها أكبر مختبر اجتماعي في تاريخ البشرية، يضم أكثر من 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، تجري فيه يومياً تجارب غير مسبوقة على الوعي الجمعي والسلوك البشري. وما تكشفه لنا هذه التجربة العملاقة ليس انتصاراً كاملاً للحضارة والعقل، بل هجيناً غريباً: كائنات بشرية تحمل هواتف ذكية بأدمغة لا تزال تديرها، في جزء كبير منها، غرائز قديمة جداً.

المأساة ليست في أننا نستخدم رموز القردة، بل في أن الغابة الرقمية التي بنيناها لا تكافئ أفضل ما في إنسانيتنا، بل تستثمر في أكثر غرائزنا بدائية. إنها غابة بالفعل، لكن بدلاً من الأشجار والوحوش، تملؤها الخوارزميات والانفعالات. وسقفها ليس السماء، بل “الويفي”.

*إعلامي وباحث في مجال السوسيولوجيا

 

الهوامش والمراجع

  1. Vosoughi, S., Roy, D., & Aral, S. (2018). The spread of true and false news online. Science, 359(6380), 1146-1151.
  2.     The Washington Post (2021). Internal Facebook documents revealed by Frances Haugen.
  3. Zuboff, S. (2019). The Age of Surveillance Capitalism. New York: PublicAffairs.
  4. Han, B.-C. (2017). In the Swarm: Digital Prospects. Cambridge, MA: MIT Press.
  5.     Bauman, Z. (2000). Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press.
  6. Effects of dehumanization and disgust-eliciting language on attitudes toward immigration. Psychiatry, Psychology and Law, 2024.
  7.     Statista (2024). Facebook monthly active users (MAU) worldwide.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى