رأي

قراءة في واقعة باب دكالة

عبد الفتاح الخوداري

في خضم ما أُثير من لغط حول صلاة جماعة من المؤمنين اليهود بالقرب من أسوار باب دكالة، يجد المرء نفسه أمام لحظة كاشفة: هل نحن بصدد حدثٍ عادي أُفرغ من سياقه الطبيعي، أم أمام انزلاقٍ خطير في خطاب يهدد إحدى أعرق خصوصيات المغرب، وهي التعايش؟

الواقعة في جوهرها بسيطة: جماعة من الناس أدركهم وقت الصلاة، فافترشوا الأرض وأدّوا شعيرتهم في خشوع. هذا السلوك، في حد ذاته، لا يخرج عن المألوف في بلد عُرف بتعدده الديني والثقافي. غير أن البساطة لم تَسلم من التوظيف؛ إذ سارع البعض إلى تأويل المشهد بمنطق المؤامرة، وإلباسه ثوب “الاستعمار الرمزي”، مستثيرين عواطف مرتبطة بقضية فلسطين، ومُسقطين عليها قراءات لا تمتّ للواقع بصلة.

إن التعاطف مع القضايا العادلة لا يبرر بأي حال من الأحوال الانزلاق نحو الكراهية أو التمييز. فما جرى من تعميم مُخلّ، ومن عبارات مسيئة بلغت حدّ التدنيس، ليس فقط خروجًا عن أخلاق المغاربة، بل أيضًا مساسٌ بالقانون وبقيم راسخة في وجدان هذا البلد. فالمغرب لم يكن يوما أرضا تُقصي، بل كان دائما فضاء يحتضن.

لقد عاش اليهود في المغرب قرونا طويلة، ليسوا ضيوفا عابرين، بل شركاء في بناء حضارته. أسهموا في التجارة والصناعة، وفي الموسيقى والطب، وفي الحِرف التي ما زالت بصماتها حاضرة إلى اليوم. كم من أمٍّ مغربية كانت تفاخر باقتناء حُليّ من صائغٍ يهودي، وتردد بإعجاب: “هذه صنعة نادرة”؛ وكم من أسرة تحتفظ بذكرى طبيب يهودي كان سندا في زمن الشدة. تلك ليست حكايات فردية، بل شواهد حيّة على عمق التعايش الذي تشكّل عبر أجيال.

“تمغرابيت” ليست شعارا يُرفع عند الحاجة، بل هي روحٌ تسري في تفاصيل الحياة المغربية، تُجسّدها قيم التسامح والتضامن والاعتراف بالآخر. وقد حملها اليهود المغاربة معهم حيثما حلّوا، فصاروا جزءا من هوية يهودية عالمية تعتزّ بأصولها المغربية.

ما وقع قرب باب دكالة ليس إذن إلا مرآةً لظاهرتين متناقضتين: من جهة، ممارسة دينية عادية، ومن جهة أخرى، محاولة لركوب الحدث وتسييسه عبر خطابٍ شعبويٍّ يُغذّي الانقسام. والخطر الحقيقي لا يكمن في الواقعة ذاتها، بل في ما أفرزته من دعوات مبطّنة أو صريحة للكراهية، بلغت حدّ تبنّي تعابير عنصرية دخيلة على الثقافة المغربية.

إن مواجهة هذا الانزلاق مسؤولية جماعية. تبدأ برفض ازدراء الأديان، وتمرّ عبر ترسيخ خطاب عقلانيّ يميّز بين النقد المشروع والتحريض المرفوض، وتنتهي بتفعيل القوانين التي تُجرّم كل أشكال العنصرية والتمييز. فالمغرب، كما نصّ دستوره، بلدٌ متعدد الروافد، وهويته الوطنية نسيجٌ غنيٌّ من مكونات متكاملة، في قلبها المكوّن العبري الذي يستحق الحماية والتقدير.

فاليهود المغاربة، أينما كانوا، هم جزءٌ من هذا النسيج، إخوةٌ في الإنسانية، وشركاء في ذاكرة مغربية لا تُمحى…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى