رأي

أنا إبن مدينة مراكش، وهذه شهادتي في حق مدينتي وعمدتها

من السيد عزالدين إزيان فاعل مدني إلى السيدة إيمان الرميلي المحترمة،

تحية مدنية راقية، وبعد،

تابعت باهتمام بالغ الرسالة المفتوحة التي تم تداولها مؤخرا، والتي وصفت فيها مدينة مراكش، وبأسلوب لا يخلو من التجني، بأنها “مدينة مهملة”، وكأن من صاغ هذه الرسالة يتحدث عن مدينة من نسج الخيال، لا عن حاضرة مغربية تاريخية تشهد منذ سنوات دينامية عمرانية وتنموية لافتة للانتباه، يشهد بها الزائر والمقيم على حد سواء.

لقد استوقفني مضمون الرسالة، ليس فقط لحدة الطرح ومجانبته للواقع في كثير من جوانبه، ولكن أيضا لكونها صادرة – للأسف – عن صوت نسائي، كان الأجدر به أن يكون داعما لمسار نسائي نموذجي، اختار أن يخدم مدينته من موقع المسؤولية، لا من خلف الشاشات أو عبر البلاغات المستفزة، والدليل على ذلك الثقة المولوية التي نالتها عن جدارة واستحقاق لتعيينها على رأس وزارة استراتيجية لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والتي من خلالها خلقت السيدة فاطمة الزهراء المنصوري ثورة هدفها برامج إجرائية جعلت المواطن المغربي صلب اهتماماتها بطريقة مباشرة.

وفي المقابل، لا يسعني إلا أن أُعبر عن تقديري العميق للرد الهادئ والواثق، الذي صدر عن السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة مدينة مراكش. كان ردا مسؤولا، بعيدا عن الانفعال، مرتكزا على الأرقام والمعطيات، ومشحونا بإحساس عال بالواجب والحرص على التواصل المؤسسي الرصين.

لقد بدا ذلك الرد نموذجا لما يجب أن تكون عليه لغة الحكامة الرشيدة: نزيهة، واضحة، مؤسسة على إنجازات فعلية، لا على الانطباعات أو الأهواء.

إن من يعرف هذه السيدة عن قرب، أو تابع أداءها في مختلف المحطات، لا يمكن إلا أن يقر بكونها من الكفاءات السياسية النسائية التي شقت طريقها بصمت وتفان، بعيدا عن ضجيج الذباب الالكتروني اليائس، وبعزم قل نظيره، واضعة نصب عينيها خدمة الصالح العام والنهوض بمدينة مراكش كفضاء حضري نابض بالحياة، ومجال ترابي غني بتاريخه وتحدياته وآفاقه.

لقد أبانت، من خلال منجزاتها ومبادراتها، عن قدرة لافتة على التوفيق بين تدبير الشأن المحلي بروح مؤسساتية، وبين الإصغاء النشيط لنبض الشارع وهموم الساكنة، دون ادعاء أو مزايدة.

ولعل من أبرز مظاهر هذا النجاح أن أصبحت منظمات دولية مستقلة محترمة ، آخرها منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، تعترف بريادة مراكش ومكانتها، كما تجلى ذلك في إعلانها عاصمة للثقافة في العالم الإسلامي لسنة 2024، وهو تتويج لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة مسار عمل متكامل ورؤية متبصرة لتثمين الموروث الحضاري للمدينة وربطه بالتنمية المستدامة.

بل أكثر من ذلك، وفي عز لحظة مؤلمة شهدتها مراكش جراء الزلزال، أظهرت المدينة صلابة مؤسساتها وقدرتها على الصمود والتأقلم، وهو ما أكسبها ثقة المجتمع الدولي، حيث جدد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التزامهما بعقد اجتماعاتهما السنوية بها، في دلالة واضحة على المكانة الدولية التي تحظى بها مراكش، وعلى الثقة الكبيرة في قدرتها على احتضان التظاهرات العالمية حتى في أصعب الظروف.

إن الطعن المجاني في عمل المنتخبين، والنيل من سمعتهم بأساليب تفتقر للموضوعية والمصداقية، لا يخدم النقاش العمومي الجاد، ولا يساهم في بناء الثقة التي نحتاجها جميعا من أجل مغرب أكثر ديمقراطية وإنصافا. بل إن من مقتضيات النقد البناء أن يكون مؤسسا على وقائع ملموسة، وأن يساق في إطار من الاحترام المتبادل، بما يعزز مناخ الحوار المؤسساتي ويرتقي بمستوى الترافع المدني.

وعليه، فإننا في حاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أصوات مسؤولة، سواء من داخل المجتمع المدني أو من خارجه، تدرك حجم التحديات وتعترف بما تحقق، دون أن تغمض العين عن النقائص أو تتخلى عن دورها الرقابي والتقييمي.

أصوات تشتغل بمنطق الاقتراح لا بمنطق التصعيد الفارغ ، وبمنهج التشارك لا التنازع، لأن مراكش، المدينة التي نحب جميعا، تستحق ذلك وأكثر.

وتفضلوا، السيدة الرميلي ، بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام.

والسلام.

 

عزالدين ازيان

فاعل مدني

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى