موجز الثقافة والفن

“بلاغة الحائط”: سفر بصري وأركيولوجيا للمرئي في أعمال يوسف الحادمي

تحت عنوان “بلاغة الحائط”، كان الجمهور الفني الأسبوع الماضي على موعد مع معرض فني  فوتوغرافي جديد للفنان مولاي يوسف الحادمي، بفضاء “دار الشريفة” الأثري بمدينة مراكش,

وقدم الفنان في هذا المعرض تجربة بصرية فريدة تستكشف جماليات الحائط، حيث يتعامل معه كحامل حي للذاكرة الإنسانية والعلامات والآثار. وتوثق الصور الفوتوغرافية المعروضة تفاصيل المكان بدقة، مما يستحضر الأبعاد الثقافية والرمزية للجدران في حياتنا اليومية.

وتجمع الأعمال الفنية المشاركة بين الحس الجمالي الرفيع والتأمل العميق في الفضاء العمراني والإنساني. ويسعى المعرض إلى تسليط الضوء على الإبداع الفوتوغرافي المغربي، وسط تطلعات بمواكبة إعلامية واسعة تليق بالقيمة الثقافية لهذا الحدث، وتساهم في تقريب هذا المشروع المتميز من الجمهور.

أعمال فوتوغرافية فنية قال عنها الدكتور حسن الغدش في مقال نقدي أبرز فيه أن أعمال الفنان تنبثق في ذلك الفضاء النادر حيث تكف فيه المادة عن كونها مجرد دعامة للعرض، لتصبح هي نفسها حدثاً جمالياً، وذاكرة حسية، ومجالاً للتفكير.

ويضيف الدكتور الغدش مسلطاً الضوء على العمق البصري للمعرض: “أمام تكويناته البصرية، لا يلتقي الناظر بسرد تشخيصي أو صورة يمكن التعرف عليها فوراً؛ بل هو مدعو إلى تجربة تنقيب بصري، حيث تبني الطبقات، الشقوق، التعرجات، والترسبات لغة تشكيلية قائمة على بقاء الآثار واستمراريتها. وهكذا تظهر اللوحة كطرس (Palimpseste) ينكتب فيه الزمن، ينمحي، ويعود للظهور في آن واحد، محولاً السطح التصويري إلى أرشيف حي لتبدلات المادة وتغيراتها”.

كما أكد الناقد أن ما يميز مقاربة الحادمي بشكل عميق، يكمن في قدرته الفريدة على خلق حوار حي بين نظامين بصريين غالباً ما يُنظر إليهما كمجالين منفصلين؛ وهما الرسم والفوتوغرافيا، مستخدماً في ذلك مفهوم “الازدواجية اللغوية البصرية” (Diglossie visuelle). فالأولى (الرسم) تمنح العمل كثافة المادة، الحركية، والتدوين الفيزيائي للزمن؛ بينما تدير الثانية (الفوتوغرافيا) جمالية البصمة، والأثر، والذاكرة الشذرية. وبذلك، لم تعد اللوحة تنتمي حصرياً إلى الحقل الصباغي ولا إلى الحقل الفوتوغرافي، بل تحولت إلى فضاء وسيط تتفاوض فيه الحدود بين الحضور والغياب، وبين السطح المرسوم والصورة المتبقية.

وفي تحليله للألوان والتقنيات المعتمدة، أشار الدكتور الغدش إلى دلالاتها الأنطولوجية قائلاً: “إن هذا الهجين الفني يتعزز بالاعتماد على تقنيات مختلطة على القماش، تساهم في بناء أسطح مركبة تكتسب فيها المادة استقلالية تعبيرية تخدم أركيولوجيا المرئي. كما أن النغمات الترابية — التي تهيمن عليها الألوان السوداء العميقة، البنية المعدنية، الرمادية العتيقة، والخضراء الخافتة — تساهم في صياغة أجواء تأملية تستحضر جدران المدن العتيقة المغربية بقدر ما تحاكي السطوح الفوتوغرافية التي عتّقها الزمن. إن العمل الفني يتبدى هنا كشظية جيولوجية، أو جدار أثري، أو حتى سالب فوتوغرافي (Négatif) غيّر الزمن ملامحه وتفاصيله تدريجياً”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى