ريبورتاج

مدينة تنام قرب العاصمة… وتصحو خارجها: سيدي علال البحراوي بين وهم القرب وعجز التنمية

سيدي علال البحراوي: محمد جواد سيفاو

في الهامش القريب جداً من العاصمة الرباط، تتشكل مدينة لا تنتمي بالكامل إلى البادية ولا تندمج كلياً في منطق المدينة الحديثة. سيدي علال البحراوي ليست استثناءً عابراً في الخريطة الحضرية المغربية، بل نموذجاً لمدن تتطور تحت تأثير الجوار القوي للمراكز الكبرى دون أن تمتلك أدوات التحول إلى قطب مستقل.

هذا النوع من المدن يُصنف في الدراسات الحضرية ضمن ما يمكن تسميته بالمدن التبعية أو المدن الامتدادية، حيث يكون النمو العمراني أسرع من النمو الاقتصادي والاجتماعي، فينتج مجال حضري ممتد لكن وظيفياً غير مكتمل.

الخاصية الأساسية في سيدي علال البحراوي اليوم هي انفصال مكان السكن عن مكان الإنتاج. جزء كبير من السكان يعيش داخل المدينة، لكنه يشتغل خارجها، خصوصاً في الرباط وسلا.

هذا النمط يُنتج ما يمكن وصفه بالمدينة-المبيت، حيث يتم النوم داخل المدينة، والعمل خارجها، بينما لا تُبنى الحياة الاقتصادية الحقيقية داخل المجال المحلي نفسه. وبالتالي تتحول المدينة إلى فضاء لإعادة إنتاج القوة العاملة، أكثر مما تتحول إلى فضاء لإنتاج القيمة أو خلق فرص الشغل.

من الناحية النظرية، القرب من الرباط كان يمكن أن يشكل رافعة تنموية حقيقية، عبر جذب الاستثمار وخلق مناطق صناعية أو إدماج المدينة في الامتداد الاقتصادي للعاصمة.

لكن الواقع أنتج علاقة مختلفة تقوم على التبعية اليومية بدل الاندماج. العاصمة تستقطب اليد العاملة، وتوسع نطاق تأثيرها الاقتصادي، بينما تبقى المدن المجاورة في موقع السكن والاستهلاك، وهو ما يفسر كثافة التنقل اليومي وغياب دينامية اقتصادية محلية قوية.

المشاكل اليومية المرتبطة بالماء والكهرباء والبنيات التحتية لا يمكن فهمها كأعطاب تقنية معزولة فقط، بل كجزء من نمط تدبير حضري غير متوازن.

ومع تكرار هذه الاختلالات، يحدث ما تسميه السوسيولوجيا الحضرية بتطبيع الهشاشة، حيث تصبح الأزمة جزءاً عادياً من الحياة اليومية بدل أن تكون استثناءً طارئاً. بهذا المعنى، يتحول الإحساس بعدم الاستقرار إلى عنصر من عناصر الثقافة الحضرية نفسها.

المفارقة الأساسية أن المدينة لا تعاني من توقف النمو، بل من نمو غير متوازن. توسع عمراني سريع يقابله ضعف في خلق فرص الشغل، وغياب واضح لهوية اقتصادية مستقلة، مع ضغط سكاني متزايد.

هذا التناقض ينتج مجالاً حضرياً ممتداً لكنه غير مكتمل الوظائف، حيث يسبق العمران البنية الاقتصادية والاجتماعية، بدل أن يتطور معها بشكل متوازن.

في النهاية، سيدي علال البحراوي ليست مدينة ميتة، لكنها أيضاً ليست مدينة مكتملة. هي فضاء حضري في حالة انتقال دائم، قريب من المركز دون أن يستفيد منه بالكامل، متوسع عمرانياً دون أن يتوازن اقتصادياً، وحاضر اجتماعياً لكنه مرتبط وظيفياً بخارجه.

إنها نموذج لمدن الهامش القريب، حيث لا يكون التهميش نتيجة البعد الجغرافي، بل نتيجة اختلال في توزيع الوظائف الحضرية داخل المجال القريب من المركز.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى