ريبورتاج

مراكش بين نكهة “المعجون”و سحر “الكيف”: من ليالي الضحك إلى متاهات الإدمان 

نجوى حارب …

في أزقة مراكش الضيقة ،حيث تمتزج الثقافة والتاريخ بالضحكات. يكمن عالم خفي يحمل بين طياته أسرارا و أحاديث لا تنتهي إنه عالم “الكيف”و “المعجون” ،حيث تتحول الجلسات إلى مزيج من الضحكات والحكايات التي تتجاوز حدود الزمان والمكان.

السيد مصطفى رجل سبعيني يقول أن الجلسات المراكشية لا تشبه أي شيء آخر تبدأ بأكواب الشاي الساخن التي تسكب برشاقة ،يتبعها تقديم المعجون بطريقة بسيطة وذات  رمزية ،يفرق هنا المعجون بكمية متساوية ويأكل كل شخص نصيبه بتأن.

ثم يبدأ الضحك الذي يأتي بطريقة عفوية لأن المعجون يجعل من الموضوع العادي نكتة مضحكة”تقول ليا الله يسعد المسا أبا صطوف نضحك حتى تبان ليا ضرسة العقل”أنه فعلا يجعلك تضحك على أتفه الأشياء، وفي مرات أخرى يصبح المعجون ليس فقط وسيلة للضحك و”التقشاب” بل  يحول الجلسات إلى مساحات للبوح والمصارحة حيث ينفتح الجالسون على بعضهم البعض دون قيود.

فالمعجون لم يكن مجرد خليط عادي  يجمع بين “التيقوتات” و بعض الاعشاب و العسل و “الكوزة” و “نسيمة ديال الكيف” وبعض الزيوت، من أجل التسلية فقط، بل أيضا وسيلة لتقريب القلوب وتخفيف ضغوط الحياة اليومية، لكن أخذه لم يكن بطريقة مبالغ فيها “مرة مرة” عكس الآن “سيري شوفي قاع المدينة ولا سيدي يوسف مثلا راه راس الدرب عامر بدوك الشباب والمراهقين مساكن لي ديما مبوقين بالمعجون ديالهوم لي كيخلطوه بالفنيد وشي مخدرات مجهدين “الله يعفو عليهم”

ليال الانس بالسبسي والشقف

لا يمكن الحديث عن “المعجون” دون التطرق إلى شريكه في الليالي الطويلة “الكيف”، تلك المادة التي تنبعث منها رائحة الأرض والرطوبة حين تُدخّن في “السبسي” أو “الشقف”.

داخل” حانوت صغير” في المدينة القديمة، حيث تغيب الساعات خلف ستائر من الدخان، يجلس السيد مصطفى مع  الأصدقاء حول طاولة خشبية صغيرة. فوق الطاولة، تتناثر فناجين الشاي و”السباسيب”، بينما تتعالى ضحكاتهم من حين لآخر.

“السبسي كايكون طويل وفلخر كنركبو ليه الشقف لي كيكون مقوس من الوسط  “له فتحتان واحدة لإلصاق “الشقف” بالسبسي، وجهة أخرى لوضع الخليط السحري الجاهز للتدخين، وإلا سمعتي دعوة “الله يغبر ليك الشقف” راه من هنا منين جات حيت الله يستر فداك الوقت لي مشا ليه الشقف بقا مقطوع، لك أن تتخيلي أنه بعد إعداد أوراق الكيف وتنقيتها، و “تقصيصها” بسكين حادة، وغربلتها  وفي الاخير لا تجد الشقف لوضعها، ضاع الشقف وضاعت معه الليالي الطويلة، والضحكات التي تسمع في الأزقة، والحكايات التي تبدأ ولا تنتهي.

السبسي أيضا مثله مثل المعجون لابد له من حضور “دكة أتاي”، فالسبسي بلا دكة بحال التران بلا السكة ” وكلما قل الشاي في الكأس  او في البراد وفقد حرارته كلما أصبح كأس “التلصيقة” يباع عليه الغالي والنفيس.

وفي تبويقة شدق الجمل شؤون

تروي لي امي ،انه في فترة الثمانينات عندما كانت في فترة تعليمها الابتدائى، مجموعة من  التلاميذ قاموا بوضع نبتة “شدق الجمل” تحت ألسنتهم وبصقها فيما بعد، وقامو بإقناع تلميذ آخر يصغرهم سنا بأخذ هذه العشبة، وافق المسكين وقام بأخذها وبلعها، وماهي الا لحظات حتى بدأ شدق الجمل في إعطاء مغعوله وبدأ يظهر جليا في تصرفاته، فقد بدأ المسكين يهذي في كلامه ويصرخ، كما قام بحلق حاجبيه تماما واعاد رسمها بالفحم.

لم تنتهي الحكاية هنا بل زادت هلوسات المسكين محمد، فعند دخوله للفصل الدراسي، بدلا من أن يجلس على مقعده قام يصرخ ويقفز من طاولة إلى أخرى، حاول الأستاذ إيقافه لكن دون جدوى، لم يجد أمامه أيضا سوى الصراخ ومناداة تلميذه قائلا “محمد مالك اش جاك”.

ويجيبه المسكين، “اسكت أ استاذ راه شدق الجمل دارها”. محمد لم يبق تحت تأثير هذه العشبة العجيبة لساعات او يوم بل بقي لمدة أسبوع كامل، اسبوع وهو يصرخ ويهلوس.

المعجون بين المتعة والخطر القاتل

لم تعد جلسات المعجون كما السابق مجرد تجمعات بريئة للضحك، بل أصبحت جزءًا من عالم مظلم يرتبط بتجارة المخدرات وخطر الوقوع في الإدمان وتأثيره على الدماغ نتيجة خلطة بأدوية محظورة والمبالغة في استعمال الكيف.

يروي لي جار لأحد الشبان الذين أصبح يعاني من عاهة نتيجة تعاطيه للمعجون بطريقة مبالغ فيها.

يقول الجار »هذه العائلة معروفة بتناول المعجون، إنه أمر عادي بينهم كل يوم يقوم الأب باعداد زيت الكيف ويخلط معها باقي المكونات، ليحصل على خليطه السحري.

وماذا تنتضر من ابنه إلا أن يتبع مسار أبيه، يستيقظ بالمعجون ويمسي به، عينيه لبسا اللون الاحمر الدائم، ولا يكاد يفتحها بقوة “التبويقة” الدائمة.

مع مرور الأيام واستمراره في التعاطي للمعجون وجد نفسه في سرير المرضى ويحذره الطبيب من معاودة تعاطيه لأي نوع من المخدرات لأن ذلك أثر على منطقة حساسة بدماغه، ولم يعد بمقدوره التحكم في رجله.

لكن هيهات “لمن تلتلي زابورك يا داوود، لي فراسو فراسو”، استمر بالتعاطي رغم تدهور حالته و تحذيرات الطبيب إلى إن انتهى به المطاف بشلل النصف من جسده وإن استمر فالموت في انتظاره لا محال.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى