الموجز الوطني

أرقام مندوبية التخطيط.. ملايين المغاربة في قبضة الفقر المركّب

سجل تقرير حديث للمندوبية السامية للتخطيط، تراجعًا ملحوظًا في معدل الفقر متعدد الأبعاد على المستوى الوطني، حيث انخفض من 11.9% سنة 2014 إلى 6.8% سنة 2024، ما يمثل انخفاضًا بنسبة 43%.

 تغييرات ترابية لافتة بين 2014 و2024

التقرير الذي صدر تحت عنوان “خريطة الفقر متعدد الأبعاد: المشهد الترابي والدينامية”، يرصد تطور الفقر متعدد الأبعاد بالمغرب بين سنتي 2014 و2024.

ويرصد التقرير التحولات الكبرى التي عرفتها المؤشرات الاجتماعية في سياق التغيرات التنموية والسياسات العمومية التي نهجها المغرب خلال العقد الماضي، ويقدم قراءة مفصلة للفوارق المجالية من زاوية مقاربة الفقر في أبعاده غير النقدية.

ويُقصد بالفقر متعدد الأبعاد الحرمان المتراكم الذي يعانيه الأفراد عبر عدة مجالات، من بينها التعليم، الصحة، والظروف المعيشية.

الفقر القروي.. معضلة مستمرة رغم التحسن النسبي

ورغم هذا التراجع، لا يزال الفقر يحتفظ بطابعه البنيوي في بعض المناطق، ويُظهر تفاوتات صارخة على المستوى المجالي.

الفقر في المغرب لا يزال يحمل طابعًا قرويًا بامتياز. إذ تُظهر معطيات المندوبية السامية، أن نسبة الفقراء في الوسط القروي تمثل أكثر من ثلث السكان القرويين، مقارنةً بنسبة لا تتجاوز 3% في الوسط الحضري.

وعلى الرغم من انخفاض نسبة الفقر القروي من 23.6% إلى 13.1%، فإن هذه الفجوة تعكس استمرار ضعف الخدمات الاجتماعية والبنيات التحتية في العالم القروي.

الهشاشة الاجتماعية.. ثلاثة ملايين مغربي مهددون بالفقر

كما تبرز الهشاشة كمكون مقلق، حيث بلغ عدد الأشخاص المهددين بالفقر نحو ثلاثة ملايين نسمة سنة 2024، منهم 82% يقطنون في القرى.

التقرير يشير إلى أن المغرب نجح في تقليص عدد الفقراء من أربعة ملايين إلى حوالي 2.5 مليون شخص، غير أن هذا التحسن يخفي تفاوتات حادة بين الجهات والأقاليم، مما يعكس تحديًا كبيرًا في تحقيق العدالة المجالية.

التفاوتات الجهوية تكشف الخلل في العدالة المجالية

فقد أظهر تحليل المعطيات أن أكثر من 70% من الفقراء يتمركزون في خمس جهات فقط، على رأسها فاس-مكناس، ومراكش-آسفي، والدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، وطنجة-تطوان-الحسيمة.

في الوقت الذي سجلت فيه بعض الجهات تحسنًا ملموسًا في مؤشرات الفقر، بقيت جهات أخرى تعاني من نسب مرتفعة تفوق المعدل الوطني، مثل جهة بني ملال-خنيفرة التي سجلت نسبة 9.8%، وجهة فاس-مكناس بنسبة 9%.

فوارق صادمة بين الجهات: نجاح في الجنوب وتعثر في الوسط والشمال

في المقابل، سجلت جهات الجنوب نسب فقر منخفضة، مثل العيون-الساقية الحمراء (2.4%) والداخلة-وادي الذهب (2.5%)، ما يعكس أثر السياسات التنموية الخاصة بهذه المناطق.

الأقاليم المنسية.. الفقر البنيوي يقاوم كل التدخلات

الاختلالات لا تقتصر على المستوى الجهوي فقط، بل تمتد إلى مستوى الأقاليم والجماعات، حسب الأرقام التي جاءت في التقرير، فقد سجلت جميع الأقاليم تراجعًا في نسب الفقر، لكن بوتيرة متفاوتة.

أقاليم مثل أزيلال وشيشاوة والصويرة شهدت تحسنًا كبيرًا بفضل التدخلات التنموية الموجهة، بينما ظلت أقاليم أخرى مثل فجيج وتاونات وتازة تعاني من نسب فقر تفوق ضعف المعدل الوطني. المدن الكبرى، من جهتها، شهدت تحسنًا طفيفًا، ما يدل على استقرار نسبي في أوضاعها الاجتماعية.

الجماعات القروية في الواجهة.. بين التحسن والتهميش

وعلى المستوى الجماعي، كشف التقرير أن 93.8% من الوحدات الترابية شهدت انخفاضًا في نسبة الفقر، خاصة في الجماعات القروية، حيث كانت الديناميكية أوضح. ومع ذلك، لا تزال 16.3% من الجماعات تسجل نسب فقر تتجاوز 20%، في حين أن نصف الجماعات تقريبا باتت تسجل معدلات دون 10%. هذا المعطى يُبرز مدى اتساع الهوة بين جماعات تقدمت نسبيًا وأخرى ما زالت تعاني من الفقر البنيوي.

المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.. تأثير إيجابي ملموس

ويُحسب للسياسات العمومية، لاسيما المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، دورها الكبير في التخفيف من حدة الفقر متعدد الأبعاد.

فقد أظهر التقرير أن الجماعات المستفيدة من المرحلة الثالثة من المبادرة حققت تراجعًا أكبر في معدلات الفقر مقارنةً بالجماعات غير المستفيدة، إذ انخفض المعدل فيها من 27.8% إلى 15.5%، مقابل انخفاض أقل في الجماعات الأخرى.

 ناقوس الخطر: شدة الفقر ثابتة رغم تقلص النسب العامة

غير أن التقرير يدق ناقوس الخطر بخصوص الاستدامة، إذ يُظهر أن الفقر وإن كان قد تراجع، فإن شدة الحرمان لم تتقلص بنفس الوتيرة.

فقد بقيت نسبة شدة الفقر شبه مستقرة عند 36.7% سنة 2024 مقابل 38.1% سنة 2014، ما يعني أن الفئات الفقيرة لا تزال تعاني من حرمان شديد في مجالات متعددة، أبرزها التعليم والسكن والخدمات الصحية.

التوصيات: ضرورة إصلاح السياسات الاجتماعية وتعزيز التخطيط المحلي

توصيات التقرير خلصت إلى ضرورة إعادة توجيه السياسات الاجتماعية بشكل أكثر دقة وفعالية، مع التركيز على العدالة المجالية باعتبارها مدخلًا أساسيًا لتحقيق التنمية الشاملة.

ودعا إلى تقوية قدرات الجماعات المحلية في التخطيط والتتبع، وضمان استهداف أفضل للفئات الهشة، وتوسيع الاستثمارات في القطاعات الاجتماعية الحيوية.

من تقليص الفقر إلى القضاء عليه.. تحدي المغرب في أفق 2030

التقرير يضع صانعي القرار أمام مسؤولية مضاعفة، منها الحفاظ على المكتسبات من جهة، وتسريع وتيرة تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية من جهة أخرى.

فالفقر في المغرب لم يعد مجرد غياب للدخل، بل صار ظاهرة مركبة تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، تنظر إلى المواطن في شموليته، وتربط بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

ويبقى التحدي الأكبر اليوم هو كيف يمكن للمغرب أن ينتقل من تقليص الفقر إلى القضاء عليه في أفق تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى