
بقلم: ابو زهراء
تعيش المنظومة الصحية بالمغرب لحظة حرجة، تتجسد في وقفات احتجاجية متكررة واحتقان اجتماعي متصاعد بسبب تردي الخدمات وضعف التجهيزات وندرة الموارد البشرية. وسط هذا المشهد المتأزم، يطفو إلى السطح ملف ظل طويلاً في الهامش: الصحة النفسية، التي تكشف في جهة مراكش آسفي صورة صادمة لأزمة صامتة تمس آلاف الأسر.
خصاص بنيوي ومعاناة يومية
في الجهة التي يتجاوز عدد سكانها 4,5 ملايين نسمة، تواجه مستشفيات الأمراض العقلية والنفسية ضغطاً خانقاً: أقسام مكتظة، بنايات متهالكة، ولوائح انتظار طويلة. عشرات الأسر تصطف يومياً طلباً لموعد أو سرير، فيما يضطر آخرون إلى اللجوء للقطاع الخاص أو الطب الشعبي. تقول إحدى الأمهات: “معاناتنا لا تقف عند المرض نفسه، بل عند غياب العلاج والأدوية وتأخر المواعيد.”
أدوية مفقودة وأسر في مواجهة المجهول
المعاناة تتضاعف مع شبه انعدام الأدوية الحديثة من الجيلين الثاني والثالث داخل المؤسسات العمومية. هذه الأدوية، التي كانت تُصرف مجاناً للأسر الهشة، أصبحت بعيدة المنال، وأسعارها المرتفعة في الصيدليات تثقل كاهل العائلات، لتجد نفسها أمام المجهول: إما وقف العلاج أو مواجهة خطر الانتكاسة.
شهادات من قلب المعاناة
“ابني يحتاج دواءً لا نجده في المستشفى، والأسعار في الصيدليات تفوق قدرتنا. أصبحت بين خيارين: إما أن أستدين وإما أن أتركه يعود للأسوأ.” أم من مراكش تنتظر منذ أشهر.
“نحاول أن نواكب أعداد المرضى، لكن البنية لا تسمح… نقص الأسرة ونقص الأطباء وغياب الأدوية يجعل مهمتنا شبه مستحيلة.” ممرض في قسم الأمراض النفسية.
“ما نقوم به في المجتمع المدني محاولة لردم الهوة. الدولة وحدها لا تكفي والجمعيات وحدها لا تستطيع.” — فاعل جمعوي محلي.
المجتمع المدني: فاعل رغم هشاشته
جمعيات أسر مرجعية في مجال الصحة النفسية بدأت بمحاربة الوصمة الاجتماعية التي تلاحق المرضى، ثم تطورت لتشمل برامج عملية لتأهيل الأسر، الإدماج الاجتماعي والثقافي، والترافع لدى صناع القرار. تقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان سجلت هذه الجهود لكنها أكدت أنها تظل جنينية وغير كافية لتعويض غياب سياسة عمومية متكاملة.
أوراش كبرى… تنفيذ متعثر
من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى النموذج التنموي الجديد، وصولاً إلى البرنامج الاستعجالي للنهوض بالصحة النفسية سنة 2012، كلها أوراش وضعت الإنسان في صلب الاهتمام. منظمة الصحة العالمية اعتبرت المقاربة البينية المغربية نموذجاً رائداً، لكنها ظلت محدودة على أرض الواقع.
قرارات إدارية مثيرة للجدل
في المقابل، اتخذت بعض المستشفيات قرارات تقيد الولوج إلى خدمات الصحة النفسية باشتراط الانتماء الترابي. حقوقيون وصفوا هذه الإجراءات بأنها خرق للفصل 31 من الدستور، الذي يضمن الحق في العلاج لجميع المواطنين دون تمييز.
الأمم المتحدة: الصحة النفسية أولوية عالمية
على المستوى الدولي، شهد مقر الأمم المتحدة لحظة وُصفت بالتاريخية، بعدما جرى لأول مرة إدراج الصحة النفسية كقضية مركزية في اجتماع رفيع المستوى حول الوقاية من الأمراض غير السارية. خطوة اعتبرها المراقبون تحوّلاً نوعياً لأنها تنقل الصحة النفسية من دائرة التهميش إلى قلب النقاشات العالمية حول التنمية والعدالة الاجتماعية.
هذه الخطوة لم تكن مجرد اعتراف رمزي، بل رسالة سياسية قوية إلى الحكومات بضرورة ترجمة الالتزامات إلى خطط عمل وطنية وقوانين وتمويلات مستدامة. فالصحة النفسية لم تعد شأناً فردياً أو عائليا، بل قضية مرتبطة بالاستقرار الاجتماعي والتماسك الاقتصادي.
المغرب أمام امتحان الفجوة الصادمة
وبينما يدعو المجتمع الدولي إلى وضع الصحة النفسية في قلب الأجندة التنموية، لا يزال المغرب يتخبط في استراتيجية مؤجلة وقانون معلق. هنا تتضح المفارقة: التزامات أممية براقة في الخارج، مقابل واقع يومي ينهار في الداخل — أقسام مكتظة، أدوية منعدمة، وأسر تواجه المجهول.
أرقام تكشف عمق الأزمة
* أكثر من 40% من المغاربة عانوا اضطراباً نفسياً في حياتهم.
* أقل من 400 طبيب نفسي يخدمون 37 مليون نسمة، يتركز نصفهم في الرباط – الدار البيضاء – مراكش.
* الأدوية الحديثة شبه منعدمة في القطاع العمومي، وأسعارها تثقل كاهل الأسر.
* الطاقة الاستشفائية لا تغطي سوى نسبة ضئيلة من الحاجيات.
لحظة مفصلية
بين احتجاجات الشغيلة الصحية، وأسر تبحث عن العلاج بلا جدوى، ومرضى ينتظرون مواعيد طويلة، وجمعيات تحاول سد فراغ تركته الدولة، يتأكد أن ملف الصحة النفسية ليس ترفاً، بل قضية حقوقية وتنموية عاجلة.
اللحظة مفصلية: إما تنزيل الإصلاحات ومشروع القانون المؤجل، أو استمرار مأساة آلاف المرضى وأسرهم في صمت، وسط فجوة صادمة بين الشعارات المعلنة والواقع المنهار.








