
“الناس كترزق على الله… ولكن الطريق ما بقاتش للناس!”
في قلب المحاميد، وتحديداً قرب سوق الإمام مسلم وشارع الأزهر المعروف بـ”القواس”، لا تحتاج إلى كثير من الوقت لتدرك أنك لست أمام مشهد عشوائي عابر، بل أمام نظام غير رسمي منظم بدقة، يُدار في الخفاء، تحت مسمى “الستر” و”غض الطرف”.
المارة يكافحون لشق طريقهم، السيارات تتزاحم في ممرات ضيقة تحولت إلى أسواق، وأصحاب المحلات والباعة المتجولون يتصرفون وكأنهم المالكون الشرعيون للملك العمومي. كل ذلك يحدث تحت أعين السلطة المحلية… أو لِنَقُل: تحت صمتها المدوي.
بمجرد الاقتراب من بعض “نقاط التوتر”، كما يسميها السكان، كشارع القواس وسوق الإمام مسلم، تبدأ الحكايات تتناسل. شهادات تتكرر من عدة باعة تشير بوضوح إلى تورط غير مباشر – وربما مباشر – لبعض أعوان السلطة في تمرير “صفقات الشارع”.
ويبدو أن هذا النمط من “التحايل المؤسسي” يحوّل فضاء المدينة المشترك إلى مصدر دخل غير مشروع، يُدار بصمت مخيف، ويغذي فوضى متعمدة أكثر مما هي عفوية.

ما يحدث بسوق الإمام مسلم هو صورة مصغرة لفشل النموذج الرسمي في ضبط الفضاء العمومي. فبعد ترحيل الباعة المتجولين من شارع النخيل قرب مسجد المجد، قامت الجهات المختصة بإنشاء سوق نموذجي بـ”المحاميد 9″ لاستقبالهم. غير أن الواقع خالف التوقعات. عوض أن يلتحق الباعة بالمكان المخصص لهم، اختاروا احتلال محيط سوق الإمام مسلم، الذي لم يعد سوقاً واحداً بل اثنين، سوق داخلي قانوني، بالكاد يعمل وسوق خارجي فوضوي، يزدهر ويتمدّد على حساب الطريق العام.
مع مرور الوقت، أصبح من شبه المستحيل السير في المنطقة، إذ تجد نفسك في زحام البضائع والعربات والعوائق، دون أن ترى أي تدخل حقيقي من الجهات المسؤولة.
يقول أحد السكان بامتعاض واضح: “الدولة بنت ليهم سوق مجهز، وما بغاوش يدخلو ليه، كيتسناو الرواج على حساب الشارع. والسلطة كتشوف و ساكتة!”

الوضع بشارع الأزهر، المعروف بـ”القواس”، قد يكون الأسوأ. هنا، يختلط ما هو عشوائي بما هو رسمي، حتى تطمس الحدود بين القانوني وغير القانوني. أصحاب المحلات يتوسعون بلا خجل خارج محلاتهم، ويفرشون سلعهم على الأرصفة وأحيانًا في منتصف الشارع، مما يجعل المرور مستحيلاً حتى على الأقدام. أما الباعة الجائلون، فقد حوّلوا ما تبقى من الممر إلى ملكية خاصة مؤقتة.
أحد سكان الحي علّق بمرارة وسخرية: “منين كتدوز فالقواس، كتقول راك فشي سوق شعبي، ماشي فوسط مراكش. حتى الحنش ما يلقاش منين يدوز.”
الشارع، بعد منتصف الليل، لا يختلف كثيرًا عن مشهد من الأسواق الأسبوعية في البوادي. السلع تُترك في مكانها، مغطاة فقط بالبلاستيك، وكأن لا أحد يخشى المراقبة… لأن لا أحد يراقب فعلاً.

السلطات: غائبة؟ أم شريكة في صمت مدروس؟
تكرار هذه المظاهر، واستمرارها لسنوات، يطرح سؤالاً حاداً، هل نحن أمام ضعف في التدبير المحلي؟ أم أمام تواطؤ مقصود؟
العديد من الشهادات التي حصلنا عليها تشير إلى أن السلطة على علم تام بما يجري، بل إن بعض أعوانها هم في عين المكان باستمرار.
هذا الصمت، الذي تراه الساكنة صمتاً مشبوهاً، يقوّض الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويجعل من تطبيق القانون مسألة انتقائية، مرتبطة بالحسابات والمصالح.

المشهد في المحاميد لا يمكن اختزاله في مجرد “احتلال رصيف”، بل هو تعبير صارخ عن اختلال العلاقة بين السلطة والمواطن، وبين القانون والواقع.
الملك العمومي هو أحد أركان الفضاء المدني، ومساسه بهذا الشكل هو تقويض لأساس العيش المشترك، وتهديد مباشر لأمن وسلامة المارة والسائقين والساكنة على حد سواء.
إن غياب الحزم والتطبيق العادل للقانون يشجع على “اقتصاد الخفاء”، ويحوّل المدينة إلى مجال للفوضى والانتهازية، حيث من يدفع… يتحكم، ومن يسكت… يستفيد.
إلى متى يستمر هذا الوضع؟
إلى أن تقع حادثة مميتة؟ أو يحتج السكان؟
أم إلى أن يُقرَّر “التدخل” بعد فوات الأوان؟
ما يقع في المحاميد اليوم هو كارثة حضرية ببطء بطيء، تشوه المدينة. وإلى أن يعود الرصيف لمستعمليه الشرعيين، والطريق لأدواره الأساسية، يبقى الملك العمومي مجرد كعكة تُقسم في الظل… والناس؟ الله يجيب الفرج.









